فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ}.
فيه خمسة أوجه:
أحدها: أي ذلت، قاله ابن عباس.
الثاني: خشعت، قاله مجاهد، والفرق بين الذل والخشوع- وإن تقارب معناهما- هو أنّ الذل أن يكون ذليل النفس، والخشوع: أن يتذلل لذي طاعة. قال أمية بن الصلت:
وعنا له وجهي وخلقي كله ** في الساجدين لوجهه مشكورا

الثالث: عملت، قاله الكلبي.
الرابع: استسلمت، قاله عطية العوفي.
الخامس: أنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود، قاله طلق بن حبيب.
{الْقَيُّومِ} فيها ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه القائم على كل نفس بما كسبت، قاله الحسن.
الثاني: القائم بتدبير الخلق.
الثالث: الدائم الذي لا يزول ولا يبيد.
{وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} يعني شركًا.
قوله تعالى: {فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا} فيه وجهان:
أحدهما: فلا يخاف الظلم بالزيادة في سيئاته، ولا هضمًا بالنقصان من حسناته، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة.
الثاني: لا يخاف ظلمًا بأن لا يجزى بعمله، ولا هضمًا بالانتقاص من حقه، قاله ابن زيد، والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه، قال المتوكل الليثي:
إن الأذلة واللئام لمعشر ** مولاهم المتهضم المظلوم

قوله تعالى: {أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا}.
فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: حذرًا، قاله قتادة.
الثاني: شرفًا لإِيمانهم، قاله الضحاك.
الثالث: ذِكرًا يعتبرون به.
قوله تعالى: {وَلاَ تَعْجَل بِالْقُرءَانِ} الآية. فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: لا تسأل إنزاله قبل أن يقضى، أي يأتيك وحيه.
الثاني: لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله، قاله عطية.
الثالث: لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من إبلاغه، لأنه كان يعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من إبلاغه خوف نسيانه، قاله الكلبي.
{وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: زدني أدبًا في دينك، لأن ما يحتاج إليه من علم دينه لنفسه أو لأمته لا يجوز أن يؤخره الله عنده حتى يلتمسه منه.
الثاني: زدني صبرًا على طاعتك وجهاد أعدائك، لأن الصبر يسهل بوجود العلم.
الثالث: زدني علمًا بقصص أنبيائك ومنازل أوليائك.
الرابع: زدني علمًا بحال أمتي وما تكون عليه من بعدي.
ووجدت للكلبي جوابًا.
الخامس: معناه: {وَقُل رَّبِّ زَدِنِي عِلْمًا} لأنه كلما ازداد من نزول القرآن عليه ازداد علمًا به. اهـ.

.قال ابن عطية:

{وعنت}: معناه ذلت، والعاني الأسير ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر النساء: «هن عوان عندكم» وهذه حالة الناس يوم القيامة. وقال طلق بن حبيب: أراد سجود الناس على الوجوه والآراب السبعة.
قال القاضي أبو محمد: وإن كان روي هذا أن الناس يوم القيامة سجودًا وجعل هذه الآية إخبارًا فهو مستقيم وإن كان أراد سجود الدنيا فإنه أفسد نسق الآية، و{القيوم} بناء مبالغة من قيامه عز وجل على كل شيء بما يجب فيه، و{خاب} معناه لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه، والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم فخيبة المشرك على الإطلاق، وخيبة المعاصي مقيدة بوقت وحد في العقوبة.
قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات}.
عادل لقوله: {من حمل ظلمًا} [طه: 111]، وفي قوله: {من الصالحات} تيسير في الشرع لأنها {من} التي للتبعيض، والظلم أعم من الهضم وهما يتقاربان في المعنى ويتداخلان، ولكن من حيث تناسقا في هذه الآية ذهب قوم إلى تخصيص كل واحد منهما بمعنى، فقالوا الظلم أن تعظم عليه سيئاته وتكثر أكثر مما يجب، والهضم أن ينقض حسناته ويبخسها، وكلهم قرأ {فلا يخاف ظلمًا} على الخبر، غير ابن كثير فإنه قرأ {فلا يخف} على النهي، ثم قال تعالى: {وكذلك أنزلناه} أي كما قدرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذرنا هؤلاء أمرنا و{أنزلناه قرآنًا عربيًا} وتوعدنا فيه بأنواع من الوعيد {لعلهم} بحسب توقع البشر وترجيهم {يتقون} الله ويخشون عقابه فيؤمنون ويتذكرون نعمه عندهم وما حذرهم من أليم عقابه، هذا تأويل فرقة في قوله: {أو يحدث لهم ذكرًا} وقالت فرقة معناه أو يكسبهم شرفًا ويبقي عليهم إيمانهم ذكرًا صالحًا في الغابرين، وقرأ الحسن البصري {أو يحدثْ} ساكنة الثاء، وقرأ مجاهد: {أو نحدثْ} بالنون وسكون الثاء ولا وجه للجزم إلا على أن يسكن حرف الإعراب استثقالًا لحركته، وهذا نحو قول جرير ولا يعرفكم العرب. وقوله: {فتعالى الله الملك الحق} ختم للقول لأنه لما قدم صفة سلطانه يوم القيامة وعظم قدرته وذلة عبيده وحسن تلطفه بهم ختم ذلك بهذه الكلمة وجعل بعد ذلك الأمر بنوع آخر من القول وقوله تعالى: {ولا تعجل بالقرآن} قالت فرقة سببه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاف وقت تكلم جبريل له أن ينسى أول القرآن فكان يقرأ قبل أن يستتم جبريل عيله السلام الوحي فنزلت في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} [القيامة: 16] وقالت فرقة سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه القرآن أمر بكتبه للحين فأمره الله تعالى في هذه الآية أن يتأنى حتى يفسر له المعاني وتقرر عنده، وقالت فرقة سبب الآية أن امرأة شكت إلى النبي صلى لله عليه وسلم أن زوجها لطمها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكما القصاص ثم نزلت {الرجال قوامون على النساء} [النساء: 34]، ونزلت هذه بمعنى الأمر بالتثبت في الحكم بالقرآن حتى يبين والله أعلم. وقرأ الجمهور: {من قبل أن يقضي إليك وحيه} وقرأ عبدالله بن مسعود {من قبل أن نقضي إليك وحيه}. وباقي الآية بين رغبة في خير. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وعَنَتِ الوجوه}.
قال الزجاج: {عَنَتْ} في اللغة: خضعت، يقال: عنا يعنو: إِذا خضع، ومنه قيل: أُخِذتْ البلاد عَنْوَةً: إِذا أُخذتْ غَلَبة، وأُخذتْ بخضوع من أهلها.
والمفسرون: على أن هذا في يوم القيامة، إِلا ما روي عن طلق بن حبيب: هو وضع الجبهة والأنف والكفّين والرُّكبتين وأطراف القدمين على الأرض للسجود.
وقد شرحنا في آيةالكرسي معنى {الحي القيوم} [البقرة: 255].
قوله تعالى: {وقد خاب مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} قال ابن عباس: خَسِر من أشرك بالله.
قوله تعالى: {ومَن يعملْ مِنَ الصالحات وهو مؤمن} {مِنْ} هاهنا للجنس.
وإِنما شرط الإِيمان، لأن غير المؤمن لا يُقبَل عملُه، ولا يكون صالحًا، {فلا يخاف} أي: فهو لا يخاف.
وقرأ ابن كثير: {فلا يَخَفْ} على النهي.
قوله تعالى: {ظُلْمًا ولا هَضمًا} فيه أربعة أقوال:
أحدها: لا يخاف أن يُظلَم فيُزاد في سيِّئاته، ولا أن يُهضَم من حسناته، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثاني: لا يخاف أن يُظلَم فيزاد من ذَنْب غيره، ولا أن يُهضم من حسناته، قاله قتادة.
والثالث: أن لا يخاف أن يؤاخَذ بما لم يعمل، ولا يُنتقص من عمله الصالح، قاله الضحاك.
والرابع: لا يخاف أن لا يُجزَى بعمله، ولا أن يُنقَص من حَقِّه، قاله ابن زيد.
قال اللغويون: الهَضْم: النَّقْص، تقول العرب: هضمتُ لك من حَقِّي، أي: حَطَطْتُ، ومنه: فلان هضيم الكَشْحَيْن، أي: ضامر الجنبين، ويقال: هذا شيء يهضم الطعام، أي: ينقص ثِقْله.
وفرق بعض المفسرين بين الظُّلم والهَضْم، فقال: الظُّلم: منع الحق كلِّه، والهضم: منع البعض، وإِن كان ظُلْمًا أيضًا.
قوله تعالى: {وكذلك أنزلناه} أي: وكما بيَّنَّا في هذه السورة، أنزلناه، أي: أنزلنا هذا الكتاب {قرآنًا عربيًّا وصرَّفنا فيه من الوعيد} أي: بيَّنَّا فيه ضروب الوعيد.
قال قتادة: يعني: وقائعه في الأمم المكذِّبة.
قوله تعالى: {لعلَّهم يَتَّقون} أي: ليكون سببًا لاتِّقائهم الشرك بالاتِّعاظ بِمَنْ قبلهم {أو يُحْدِثُ لهم} أي: يجدِّد لهم القرآن، وقيل: الوعيد {ذِكْرًا} أي: اعتبارًا، فيتذكَّروا به عِقاب الأمم، فيعتبروا.
وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري: {أو نُحْدِثُ} بنون مرفوعة.
قوله تعالى: {فتعالى الله} أي: جَلَّ عن إِلحاد الملحِدين وقول المشركين في صفاته، {المَلِكُ} الذي بيده كلُّ شيء، {الحَقُّ} وقد ذكرناه في [يونس: 32].
قوله تعالى: {ولا تَعْجَل بالقرآن} في سبب نزولها قولان:
أحدهما: أن جبريل كان يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالسورة والآي فيتلوها عليه، فلا يفرغ جبريل من آخرها حتى يتكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: أن رجلًا لطم امرأته، فجاءت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزلت هذه الآية، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} [النساء 34]، قاله الحسن البصري.
قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أن يُقضى إِليكَ وَحْيُه} وقرأ ابن مسعود، والحسن، ويعقوب: {نَقْضِيَ} بالنون وكسر الضاد وفتح الياء {وَحْيَه} بنصب الياء.
وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال:
أحدها: لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من تلاوته تخاف نسيانه، هذا على القول الأول.
والثاني: لا تُقرىء أصحابك حتى نبيِّن لك معانيه، قاله مجاهد، وقتادة.
والثالث: لا تسأل إِنزاله قبل أن يأتيك الوحي، ذكره الماوردي.
قوله تعالى: {وقل ربِّ زِدْنِي عِلْمًا} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: زِدْني قرآنًا، قاله مقاتل.
والثاني: فهمًا.
والثالث: حفظًا، ذكرهما الثعلبي. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَعَنَتِ الوجوه} أي ذلّت وخضعت؛ قاله ابن الأعرابي وغيره.
ومنه قيل للأسير عانٍ.
قال أمية بن أبي الصَّلْت:
مليكٌ على عرش السّماءِ مُهَيْمِنٌ ** لعزّته تَعنُو الوجوهُ وتَسجدُ

وقال أيضًا:
وَعَنَا له وَجْهِي وخَلْقِي كلُّه ** في الساجدين لوجهه مَشْكُورَا

قال الجوهري: عنا يعنو خضع وذلّ وأعناه غيره؛ ومنه قوله تعالى: {وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم}.
ويقال أيضًا: عَنا فيهم فلان أسيرًا؛ أي أقام فيهم على إساره واحتبس.
وَعَنَّاه غيرُه تعنيةً حبسه.
والعاني الأسير.
وقوم عُناة ونسوة عَوَانٍ.
وَعَنَتْ به أمورٌ نزلت.
وقال ابن عباس: {عَنَت} ذلّت.
وقال مجاهد: خشعت.
الماوردي: والفرق بين الذل والخشوع وإن تقارب معناهما أن الذل أن يكون ذليل النفس، والخشوع أن يتذلل لذي طاعة.
وقال الكلبي: {عنت} أي عملت.
عطية العوفي: استسلمت.
وقال طَلْق بن حبيب: إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود.
النحاس: {وَعَنَتِ الوجوه} في معناه قولان: أحدهما: أن هذا في الآخرة.
وروى عكرمة عن ابن عباس {وَعَنَتِ الْوجُوهُ لِلْحَيّ الْقَيُّومِ} قال: الركوع والسجود؛ ومعنى {عنت} في اللغة القهر والغلبة، ومنه فتحت البلاد عَنوة أي غلبة؛ قال الشاعر:
فما أخذوها عَنْوةً عن مودّة ** ولكنْ بضرب المَشْرَفيّ اسْتقَالَها

وقيل: هو من العناء بمعنى التعب؛ وكنى عن الناس بالوجوه؛ لأن آثار الذل إنما تتبين في الوجه.